الموقع الحالي : الصفحة الأولى >> اقتصاد >> نص

من النموذج السوفيتي إلى الطريق الصيني

2019-09-18      بقلم: هوانغ تسونغ ليانغ    

  • 200802261204163790531741077X_p.jpg

  • 2008041812102282188121470021_p.jpg

  • 2008022012038449341403390072_p.jpg

  • 2008012512030584441879960881_p.jpg

  • 20071030119434311948419360192_p.jpg

  • 20080618121818810773460621062_p.jpg

< >
 

توفر الخبرة الغنية الناتجة عن ممارسات الصين التنموية مرجعا مفيدا لتنمية الدول الأخرى في العالم.

 

يعتبر تطور الصين الجديدة لمدة 70 عاما مثالا ناجحا للتنمية الاقتصادية والإصلاح المؤسسي. استعراضاً للطريق الشاق للإصلاح والتنمية، فإن هناك مسارا يستحق التحليل، ألا وهو إعادة النظر في النموذج السوفيتي والبحث عن طريق خاص بالصين.

في بداية تأسيسها، دعت الصين الجديدة الى التعلم من الاتحاد السوفيتي، وذلك لسببين رئيسيين: أولا، في ظل عدم وجود خبرة في البناء الاشتراكي، كانت دراسة النموذج السوفيتي هي اختيار واقعي للصين في البناء الاشتراكي. ثانيا، في مواجهة الحصار الرأسمالي، كانت دراسة النموذج السوفيتي هي حاجة الصين الجديدة لمقاومة الحصار المفروض عليها من قبل الدول الرأسمالية وطلب المساعدة من الاتحاد السوفيتي. 

ومن منظور فلسفة التنمية واستراتيجية التنمية، يمكن تلخيص النموذج السوفيتي بما يسمى "الاهتمامات الثمانية مع الازدراءات الثمانية"، أي الاهتمام بالسياسة مع ازدراء الاقتصاد، والاهتمام بالصناعة مع ازدراء الزراعة، والاهتمام بالصناعة الثقيلة مع ازدراء الصناعة الخفيفة، والاهتمام بالصناعة العسكرية مع ازدراء الصناعة المدنية، والاهتمام بالسرعة مع ازدراء الكفاءة، والاهتمام بالتراكم مع ازدراء الاستهلاك، والاهتمام بالخطة مع ازدراء السوق، والاهتمام بالمصالح الوطنية مع ازدراء المصالح الشخصية. وبطبيعة الحال، جاءت "الاهتمامات" و"الازدراءات" المذكورة هنا نسبية فقط. كان الاتحاد السوفيتي لا يعترف تماما بأن القوى المنتجة والتنمية الاقتصادية هي القوة الحاسمة النهائية للتنمية الاجتماعية، بل ذهب الى نظرية الطوعية (نظرية تقول إن إرادة المرء تحدد كل شيء في العمل الاقتصادي). وحتى سبعينيات القرن العشرين، كان ما زال ينتقد "الاشتراكية السوقية" لاعتقاده أن اقتصاد السوق سيقوض الأساس الاقتصادي للاشتراكية.

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والتغييرات الجذرية في أوروبا الشرقية، ظهرت ثلاثة أنواع من الحجج حول الوضع العام للحركة الاشتراكية العالمية وخصائصها في ذلك الوقت – "نظرية الفشل"، و"نظرية الجزر" و"نظرية التحول". تعتقد نظرية الفشل أن الاشتراكية قد فشلت في العالم، وتاريخها قد انتهى. وتشبثت نظرية الجزر بأسبابها الخاصة بأن عدد الدول الاشتراكية في العالم انخفض من 15 دولة الى 5 دول فقط، وتناقص العدد الإجمالي للشيوعيين (باستثناء الصين) الى 11 مليونا في عام 1995 بعد أن كان 44 مليونا قبل التغييرات. أما نظرية التحول فتؤمن بأن الأحزاب السياسية الاشتراكية في مختلف الدول تبدأ في التخلص من نموذج الحزب الشيوعي السوفيتي والنموذج الاشتراكي السوفيتي بعد تلخيص الدروس التاريخية للتغييرات الجذرية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، وتسعى الى البحث عن طرق ونماذج اشتراكية أكثر ملاءمة مع خصائص العصر والظروف الوطنية لدول كل منها.

تعد الصين أبرز مثل نموذجي لـ"نظرية التحول"، حيث يمكن استخدام "عقيدة واحدة ومساران إثنان" لتلخيص أوجه التماثل والاختلاف بين المرحلتين قبل وبعد الإصلاح والانفتاح في الصين. فقد اتخذ كل من ماو تسي تونغ ودنغ شياو بينغ الماركسية كالأيديولوجية المرشدة، والتزم بالجمع بين الماركسية والواقع الصيني، وكانا متَّبِعين لنفس الاشتراكية، غير أنهما انتهجا مسارَيْن مختلفَيْن للاشتراكية.

ينعكس تغيير المسار بشكل أساسي في تحولات من اتخاذ الصراع الطبقي كالحلقة الرئيسية الى التركيز على البناء الاقتصادي، ومن الملكية العامة الوحيدة الى التطور المشترك لأشكال ملكية متنوعة بما فيها قطاع اقتصادي خاص، ومن الاقتصاد المخطط الى اقتصاد السوق، ومن الاقتصاد المغلق وشبه المغلق الى الانفتاح الشامل على العالم الخارجي والاتصال باقتصاد العالم، ومن السواسية والممارسة المساواتية الى تشجيع وتنفيذ اغتناء بعض المناطق وبعض الأشخاص أولا مع الاعتراف بالفرق، ومن "تنفيذ دكتاتورية شاملة للبرجوازية" في البنية الفوقية الى امتصاص منجزات الحضارة الممتازة الأجنبية، ومن الافتقار الخطير للديمقراطية أو حتى تدميرها وعدم كمال النظام القانوني الى بناء دولة اشتراكية ديمقراطية تحت حكم القانون، والخ.

حققت الصين إنجازات ملحوظة خصوصا في السنوات الأربعين الماضية منذ الإصلاح والانفتاح، حتى وصفها البعض بـ"المعجزة". وخلال هذه العملية، طرح دنغ شياو بينغ في عرض خطابه أثناء جولته الجنوبية "عدم مناقشة مسألة اتباع الاشتراكية أم الرأسمالية"، مما ساعد الناس على كسر طوق الحصار الأيديولوجي وتسريع وتيرة الإصلاح والانفتاح. وبعد ذلك، انضمت الصين الى منظمة التجارة العالمية واندمجت في نظام تقسيم العمل الدولي، وتسارعت التنمية الاقتصادية الصينية باطراد.

قبل أكثر من نصف قرن، قال ماو تسي تونغ إنه يتعين على الصين أن تقدم مساهمة أكبر للبشرية. ولما وصل المجتمع البشري الى يومنا هذا، أنيطت بالصين مهمة جديدة هي كيفية البحث عن طريق تنمية آخر على أساس التجارب والدروس السابقة. في الوقت الراهن، حققت الصين إنجازات عظيمة في التنمية، وعلى الرغم من هذا لا يعني أن طريق الصين أو نموذج الصين قابل للتطبيق في كل مكان، إلا أن التجربة الغنية الناتجة عن ممارساتها التنموية توفر مرجعا مفيدا لتنمية دول أخرى في العالم.

 

المؤلف هو نائب المدير التنفيذي لمركز الأبحاث الروسية بجامعة بكين، وعضو المجلس التنفيذي لجمعية أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى في الصين، ونائب رئيس الجمعية الصينية لتاريخ الشيوعية الدولية.

<

>

من النموذج السوفيتي إلى الطريق الصيني

2019-09-18      بقلم: هوانغ تسونغ ليانغ

  • 200802261204163790531741077X_p.jpg

  • 2008041812102282188121470021_p.jpg

  • 2008022012038449341403390072_p.jpg

  • 2008012512030584441879960881_p.jpg

  • 20071030119434311948419360192_p.jpg

  • 20080618121818810773460621062_p.jpg

 

توفر الخبرة الغنية الناتجة عن ممارسات الصين التنموية مرجعا مفيدا لتنمية الدول الأخرى في العالم.

 

يعتبر تطور الصين الجديدة لمدة 70 عاما مثالا ناجحا للتنمية الاقتصادية والإصلاح المؤسسي. استعراضاً للطريق الشاق للإصلاح والتنمية، فإن هناك مسارا يستحق التحليل، ألا وهو إعادة النظر في النموذج السوفيتي والبحث عن طريق خاص بالصين.

في بداية تأسيسها، دعت الصين الجديدة الى التعلم من الاتحاد السوفيتي، وذلك لسببين رئيسيين: أولا، في ظل عدم وجود خبرة في البناء الاشتراكي، كانت دراسة النموذج السوفيتي هي اختيار واقعي للصين في البناء الاشتراكي. ثانيا، في مواجهة الحصار الرأسمالي، كانت دراسة النموذج السوفيتي هي حاجة الصين الجديدة لمقاومة الحصار المفروض عليها من قبل الدول الرأسمالية وطلب المساعدة من الاتحاد السوفيتي. 

ومن منظور فلسفة التنمية واستراتيجية التنمية، يمكن تلخيص النموذج السوفيتي بما يسمى "الاهتمامات الثمانية مع الازدراءات الثمانية"، أي الاهتمام بالسياسة مع ازدراء الاقتصاد، والاهتمام بالصناعة مع ازدراء الزراعة، والاهتمام بالصناعة الثقيلة مع ازدراء الصناعة الخفيفة، والاهتمام بالصناعة العسكرية مع ازدراء الصناعة المدنية، والاهتمام بالسرعة مع ازدراء الكفاءة، والاهتمام بالتراكم مع ازدراء الاستهلاك، والاهتمام بالخطة مع ازدراء السوق، والاهتمام بالمصالح الوطنية مع ازدراء المصالح الشخصية. وبطبيعة الحال، جاءت "الاهتمامات" و"الازدراءات" المذكورة هنا نسبية فقط. كان الاتحاد السوفيتي لا يعترف تماما بأن القوى المنتجة والتنمية الاقتصادية هي القوة الحاسمة النهائية للتنمية الاجتماعية، بل ذهب الى نظرية الطوعية (نظرية تقول إن إرادة المرء تحدد كل شيء في العمل الاقتصادي). وحتى سبعينيات القرن العشرين، كان ما زال ينتقد "الاشتراكية السوقية" لاعتقاده أن اقتصاد السوق سيقوض الأساس الاقتصادي للاشتراكية.

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والتغييرات الجذرية في أوروبا الشرقية، ظهرت ثلاثة أنواع من الحجج حول الوضع العام للحركة الاشتراكية العالمية وخصائصها في ذلك الوقت – "نظرية الفشل"، و"نظرية الجزر" و"نظرية التحول". تعتقد نظرية الفشل أن الاشتراكية قد فشلت في العالم، وتاريخها قد انتهى. وتشبثت نظرية الجزر بأسبابها الخاصة بأن عدد الدول الاشتراكية في العالم انخفض من 15 دولة الى 5 دول فقط، وتناقص العدد الإجمالي للشيوعيين (باستثناء الصين) الى 11 مليونا في عام 1995 بعد أن كان 44 مليونا قبل التغييرات. أما نظرية التحول فتؤمن بأن الأحزاب السياسية الاشتراكية في مختلف الدول تبدأ في التخلص من نموذج الحزب الشيوعي السوفيتي والنموذج الاشتراكي السوفيتي بعد تلخيص الدروس التاريخية للتغييرات الجذرية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، وتسعى الى البحث عن طرق ونماذج اشتراكية أكثر ملاءمة مع خصائص العصر والظروف الوطنية لدول كل منها.

تعد الصين أبرز مثل نموذجي لـ"نظرية التحول"، حيث يمكن استخدام "عقيدة واحدة ومساران إثنان" لتلخيص أوجه التماثل والاختلاف بين المرحلتين قبل وبعد الإصلاح والانفتاح في الصين. فقد اتخذ كل من ماو تسي تونغ ودنغ شياو بينغ الماركسية كالأيديولوجية المرشدة، والتزم بالجمع بين الماركسية والواقع الصيني، وكانا متَّبِعين لنفس الاشتراكية، غير أنهما انتهجا مسارَيْن مختلفَيْن للاشتراكية.

ينعكس تغيير المسار بشكل أساسي في تحولات من اتخاذ الصراع الطبقي كالحلقة الرئيسية الى التركيز على البناء الاقتصادي، ومن الملكية العامة الوحيدة الى التطور المشترك لأشكال ملكية متنوعة بما فيها قطاع اقتصادي خاص، ومن الاقتصاد المخطط الى اقتصاد السوق، ومن الاقتصاد المغلق وشبه المغلق الى الانفتاح الشامل على العالم الخارجي والاتصال باقتصاد العالم، ومن السواسية والممارسة المساواتية الى تشجيع وتنفيذ اغتناء بعض المناطق وبعض الأشخاص أولا مع الاعتراف بالفرق، ومن "تنفيذ دكتاتورية شاملة للبرجوازية" في البنية الفوقية الى امتصاص منجزات الحضارة الممتازة الأجنبية، ومن الافتقار الخطير للديمقراطية أو حتى تدميرها وعدم كمال النظام القانوني الى بناء دولة اشتراكية ديمقراطية تحت حكم القانون، والخ.

حققت الصين إنجازات ملحوظة خصوصا في السنوات الأربعين الماضية منذ الإصلاح والانفتاح، حتى وصفها البعض بـ"المعجزة". وخلال هذه العملية، طرح دنغ شياو بينغ في عرض خطابه أثناء جولته الجنوبية "عدم مناقشة مسألة اتباع الاشتراكية أم الرأسمالية"، مما ساعد الناس على كسر طوق الحصار الأيديولوجي وتسريع وتيرة الإصلاح والانفتاح. وبعد ذلك، انضمت الصين الى منظمة التجارة العالمية واندمجت في نظام تقسيم العمل الدولي، وتسارعت التنمية الاقتصادية الصينية باطراد.

قبل أكثر من نصف قرن، قال ماو تسي تونغ إنه يتعين على الصين أن تقدم مساهمة أكبر للبشرية. ولما وصل المجتمع البشري الى يومنا هذا، أنيطت بالصين مهمة جديدة هي كيفية البحث عن طريق تنمية آخر على أساس التجارب والدروس السابقة. في الوقت الراهن، حققت الصين إنجازات عظيمة في التنمية، وعلى الرغم من هذا لا يعني أن طريق الصين أو نموذج الصين قابل للتطبيق في كل مكان، إلا أن التجربة الغنية الناتجة عن ممارساتها التنموية توفر مرجعا مفيدا لتنمية دول أخرى في العالم.

 

المؤلف هو نائب المدير التنفيذي لمركز الأبحاث الروسية بجامعة بكين، وعضو المجلس التنفيذي لجمعية أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى في الصين، ونائب رئيس الجمعية الصينية لتاريخ الشيوعية الدولية.