الموقع الحالي : الصفحة الأولى >> مجتمع >> نص

يوميات عيد الربيع

2019-04-09      بقلم: ميثيلا فادك    

  • IMG-2341 (1).jpg

  • Temple Fair at Ditan Park.jpg

< >

 بمناسبة عيد الربيع، تتباهى بكين بأفضل ألوانها وأكثرها سطوعا، مما يجعله الوقت المفضّل لدي خلال السنة.

 

كان أول مكان ذهبتُ إليه هو أكشاك طعام الشارع. فجأة في صباح أحد الأيام، لم أجد صانعة شطائر "جيانبينغ" (فطيرة رقيقة مصنوعة من دقيق الدخن، ومواد أخرى) المفضلة لدي، والرجل في الزاوية الذي يصنع أفضل جياوزي (الزلابية الصينية) من لحم الخنزير والكرّاث الصيني في المدينة. وسرعان ما بدأت محلات البقالة الصغيرة الحجم تغلق أبوابها، ثم المتاجر الأكبر، وتبعتها المطاعم والمقاهي. بدأ الأمر يزداد صعوبة في العثور على سيارة أجرة، وأصبحت الطوابير في محطات الحافلات قليلة، وشكلت صفوف المقاعد الفارغة في المترو مشهدا مروّعا. واستمر الأمر على هذا الحال. بدت المدينة الصاخبة التي تحتضن 21.5 مليون نسمة تفرغ من سكانها بسرعة وأصبحت في أكثر أوقاتها هدوءا خلال السنة. وعاد أغلبية سكان بكين - المهاجرون من جميع أنحاء البلاد - إلى مساقط رؤوسهم وعائلاتهم للاحتفال بالسنة الصينية الجديدة المعروفة أيضا باسم عيد الربيع. وبحلول 4 فبراير، ومع دخول ليلة رأس السنة الصينية الجديدة، شهدت بكين ذروة الهدوء السنوية. قد حلت سنة الخنزير، في حين كانت أجيال من الأسر تحتفل حول مائدة مليئة بالأطعمة والمشروبات في المنازل بجميع أنحاء الصين.

 

في نفس تلك الليلة قبل عامين، وذلك بعد بضعة أشهر فقط من انتقالي إلى بكين من مومباي، قررتُ مع مجموعة من أصدقائي الجدد تنظيم ليلة لصنع الزلابية. أعددنا الإمدادات الضرورية مثل مكونات الزلابية، وكثيرا من الأطعمة الخفيفة والنبيذ والخمور لنستمتع بها في منتصف الليل وتجمعنا في منزل صديقتي الصينية من أصل أمريكي جيني. لقد تعلمتْ كيفية صنع الزلابية من جدّتها قبل سنوات، وأصبحت هي "معلّمتنا" في المساء، وعلّمتنا كيفية صنع الحشوة، ثم لفّها بالعجينة إلى جياوزي. ومع ذلك، ونظرا لمهاراتنا السيئة في الطهي، صنعنا كثيرا من "كرّات العجين التي تشبه جياوزي بشكل غامض" بدلا من جياوزي الفعلية. على أي حال، كان المذاق لذيذا. بعد العشاء، انطلقنا إلى بحيرة هوهاي لمشاهدة الألعاب النارية. كانت المدينة بأكملها مزيّنة بالفوانيس الحمراء والذهبية اللون، وأثار المزاج البهيج إعجاب الجميع، حتى أنني رأيت جيراني الغاضبين أصبحوا يبتسمون في وقت مبكر ذلك اليوم. كان الطقس متجمدا، وجلسنا على حافة البحيرة المتجمدة تماما، كنا نتناول الزلابية ونرتشف الخمور كل بضع دقائق للإحماء. وبسبب الإفراط في تناول الكحول الذي بدت آثاره واضحة في اليوم التالي، لم يجرؤ أي منا على محاولة الانخراط في احتفال كهذا مرة أخرى لمدة عام كامل على الأقل.

 

خلال بقية أيام العطلة، قمت بزيارة إلى هاربين في مقاطعة هيلونغجيانغ الجليدية بأقصى شمالي الصين لمشاهدة مهرجان الثلج والجليد السنوي، الذي يجب أن يكون إحدى أجمل ذكرياتي في الصين حتى الآن. وبهذا انتهى عيد الربيع الأول لي، الذي كان يعج بالأصدقاء والطعام الرائع والفرح، بوضع شروط عالية للغاية لجميع احتفالات رأس السنة الصينية الجديدة في المستقبل.

 

وفي السنة الثانية، ذهبتُ إلى الجنوب، وانتهت ليلة رأس السنة الصينية لتكون مغامرة أخرى، ولكنها من نوع مختلف قليلا. رافقني صديقي، الذي تعرفت عليه في بكين، في رحلة إلى شانغهاي. وصلنا إلى المدينة الجنوبية في وقت متأخر من ليلة رأس السنة الصينية، ونسينا تماما أن معظم الأماكن يمكن أن تكون مغلقة. وصلنا إلى مطعم لتناول العشاء لكن وجدناه مغلقا ولم نتمكن من العثور على سيارة أجرة في أي مكان. وبينما بدأنا نفكر في إمكانية المشي لساعات إلى الفندق، جاءنا الإنقاذ. وجدنا أخيرا سيارة أجرة يقودها سائق بهيج، بعد أن علم مأزقنا، أخذنا إلى مطعم كان يعرف أنه ما زال مفتوحا. كانت وجبة لذيذة من شنغجيانباو (الفطائر المحشية المقلية) بمثابة ترحيب جيد بنا في شانغهاي. قضينا وقتا رائعا على مدار الأسبوع التالي، بما في ذلك رحلة ليوم واحد إلى مدينة هانغتشو. كانت المدينة بأكملها مفعمة بروحها الاحتفالية. واشترينا ملصق "فو" (بمعنى "البركة") المزخرف للصقه على أبوابنا في بكين.

 

في ذلك العام بدأتُ أدرك مدى ضخامة تشونيون (فترة السفر لعيد الربيع) التي تستغرق 40 يوما تقريبا. يحدث الإفراغ المفاجئ والهدوء بسبب "تشونيون" في مدن في جميع أنحاء الصين، ولكن نظرا للحجم الكبير والنشاط المحموم لبكين، فإن الأمر يبدو أكثر وضوحا هناك. فلا يعود جزء كبير من سكانها إلى مساقط رؤوسهم فحسب، بل يسافر العديد من المقيمين الأجانب فيها إلى ديارهم أو أماكن أخرى لقضاء العطلة. إذا صادف وكنت تقيم في بكين خلال عطلة عيد الربيع، فمن الأفضل تخزين مواد البقالة والإمدادات الأخرى مقدّما لأن معظم الأماكن ستُغلق. قد تبقى بعض المطاعم وسلاسل المتاجر الكبرى المملوكة للأجانب مفتوحة ولكن من الأحسن أن تكون مستعدا. وخلال الشهر، كدتُ أميل الى تحمل أعراض الانقطاع القاسي لـ"مالاتانغ" (طعام حار وساخن من سيتشوان).

 

في نهاية المطاف، يُعد عيد الربيع في بكين هو الوقت المفضل لدي في السنة، ربما أفضل من الخريف في بكين، وقد يكون هذا رأيا لا يحظى بشعبية. إنه حقا شيء مختلف، حيث يبدو كل شيء أكثر إشراقا، والجميع أكثر سعادة وحلما الى حد ما. يتم تنظيم أسواق المعابد، مع صفوف من المتاجر وأكشاك الطعام، في بعض المواقع السياحية الأكثر روعة في المدينة مثل القصر الصيفي ومتنزه ديتان. ومن بين الأنشطة المفضلة لدي بمناسبة عيد الربيع الذهاب إلى مخبز داوشيانغتسون التقليدي لشراء الحلويات. عندما ذهبت إليه أول مرة، وقفت في صفّ من الصفوف التي لا نهاية لها، وشعرت بتوتر بشأن ما يجب أن أشتريه بالضبط - بدا أن هناك خيارات كثيرة للغاية! كان هناك شابّ صيني في الصفّ المجاور لي يتكلم الإنجليزية. تحدثنا وأشار إلى كل نوع من الحلوى ووصفها لي. وعندما وصل دوري للاختيار، كنتُ قد عرفتُ بالضبط ما أريده. قال لي: "إن صناديق الهدايا مصممة لتكون معبأة بإحكام. إذا كان هناك أي مجال متبق بين الحلويات، فيشتري الناس حلويات أصغر لملئه. إن فكرة أن تكون الصناديق ممتلئة ترمز إلى الازدهار".

 

في هذا العام قبيل عيد الربيع الثالث لي في الصين، اشتريتُ مرة أخرى من المخبز حلويات خاصة على شكل خنزير. وكمصدر إلهام، كانت لذيذة للغاية مثلما آمل أن تكون السنة القادمة كذلك.

<

>

يوميات عيد الربيع

2019-04-09      بقلم: ميثيلا فادك

  • IMG-2341 (1).jpg

  • Temple Fair at Ditan Park.jpg

 بمناسبة عيد الربيع، تتباهى بكين بأفضل ألوانها وأكثرها سطوعا، مما يجعله الوقت المفضّل لدي خلال السنة.

 

كان أول مكان ذهبتُ إليه هو أكشاك طعام الشارع. فجأة في صباح أحد الأيام، لم أجد صانعة شطائر "جيانبينغ" (فطيرة رقيقة مصنوعة من دقيق الدخن، ومواد أخرى) المفضلة لدي، والرجل في الزاوية الذي يصنع أفضل جياوزي (الزلابية الصينية) من لحم الخنزير والكرّاث الصيني في المدينة. وسرعان ما بدأت محلات البقالة الصغيرة الحجم تغلق أبوابها، ثم المتاجر الأكبر، وتبعتها المطاعم والمقاهي. بدأ الأمر يزداد صعوبة في العثور على سيارة أجرة، وأصبحت الطوابير في محطات الحافلات قليلة، وشكلت صفوف المقاعد الفارغة في المترو مشهدا مروّعا. واستمر الأمر على هذا الحال. بدت المدينة الصاخبة التي تحتضن 21.5 مليون نسمة تفرغ من سكانها بسرعة وأصبحت في أكثر أوقاتها هدوءا خلال السنة. وعاد أغلبية سكان بكين - المهاجرون من جميع أنحاء البلاد - إلى مساقط رؤوسهم وعائلاتهم للاحتفال بالسنة الصينية الجديدة المعروفة أيضا باسم عيد الربيع. وبحلول 4 فبراير، ومع دخول ليلة رأس السنة الصينية الجديدة، شهدت بكين ذروة الهدوء السنوية. قد حلت سنة الخنزير، في حين كانت أجيال من الأسر تحتفل حول مائدة مليئة بالأطعمة والمشروبات في المنازل بجميع أنحاء الصين.

 

في نفس تلك الليلة قبل عامين، وذلك بعد بضعة أشهر فقط من انتقالي إلى بكين من مومباي، قررتُ مع مجموعة من أصدقائي الجدد تنظيم ليلة لصنع الزلابية. أعددنا الإمدادات الضرورية مثل مكونات الزلابية، وكثيرا من الأطعمة الخفيفة والنبيذ والخمور لنستمتع بها في منتصف الليل وتجمعنا في منزل صديقتي الصينية من أصل أمريكي جيني. لقد تعلمتْ كيفية صنع الزلابية من جدّتها قبل سنوات، وأصبحت هي "معلّمتنا" في المساء، وعلّمتنا كيفية صنع الحشوة، ثم لفّها بالعجينة إلى جياوزي. ومع ذلك، ونظرا لمهاراتنا السيئة في الطهي، صنعنا كثيرا من "كرّات العجين التي تشبه جياوزي بشكل غامض" بدلا من جياوزي الفعلية. على أي حال، كان المذاق لذيذا. بعد العشاء، انطلقنا إلى بحيرة هوهاي لمشاهدة الألعاب النارية. كانت المدينة بأكملها مزيّنة بالفوانيس الحمراء والذهبية اللون، وأثار المزاج البهيج إعجاب الجميع، حتى أنني رأيت جيراني الغاضبين أصبحوا يبتسمون في وقت مبكر ذلك اليوم. كان الطقس متجمدا، وجلسنا على حافة البحيرة المتجمدة تماما، كنا نتناول الزلابية ونرتشف الخمور كل بضع دقائق للإحماء. وبسبب الإفراط في تناول الكحول الذي بدت آثاره واضحة في اليوم التالي، لم يجرؤ أي منا على محاولة الانخراط في احتفال كهذا مرة أخرى لمدة عام كامل على الأقل.

 

خلال بقية أيام العطلة، قمت بزيارة إلى هاربين في مقاطعة هيلونغجيانغ الجليدية بأقصى شمالي الصين لمشاهدة مهرجان الثلج والجليد السنوي، الذي يجب أن يكون إحدى أجمل ذكرياتي في الصين حتى الآن. وبهذا انتهى عيد الربيع الأول لي، الذي كان يعج بالأصدقاء والطعام الرائع والفرح، بوضع شروط عالية للغاية لجميع احتفالات رأس السنة الصينية الجديدة في المستقبل.

 

وفي السنة الثانية، ذهبتُ إلى الجنوب، وانتهت ليلة رأس السنة الصينية لتكون مغامرة أخرى، ولكنها من نوع مختلف قليلا. رافقني صديقي، الذي تعرفت عليه في بكين، في رحلة إلى شانغهاي. وصلنا إلى المدينة الجنوبية في وقت متأخر من ليلة رأس السنة الصينية، ونسينا تماما أن معظم الأماكن يمكن أن تكون مغلقة. وصلنا إلى مطعم لتناول العشاء لكن وجدناه مغلقا ولم نتمكن من العثور على سيارة أجرة في أي مكان. وبينما بدأنا نفكر في إمكانية المشي لساعات إلى الفندق، جاءنا الإنقاذ. وجدنا أخيرا سيارة أجرة يقودها سائق بهيج، بعد أن علم مأزقنا، أخذنا إلى مطعم كان يعرف أنه ما زال مفتوحا. كانت وجبة لذيذة من شنغجيانباو (الفطائر المحشية المقلية) بمثابة ترحيب جيد بنا في شانغهاي. قضينا وقتا رائعا على مدار الأسبوع التالي، بما في ذلك رحلة ليوم واحد إلى مدينة هانغتشو. كانت المدينة بأكملها مفعمة بروحها الاحتفالية. واشترينا ملصق "فو" (بمعنى "البركة") المزخرف للصقه على أبوابنا في بكين.

 

في ذلك العام بدأتُ أدرك مدى ضخامة تشونيون (فترة السفر لعيد الربيع) التي تستغرق 40 يوما تقريبا. يحدث الإفراغ المفاجئ والهدوء بسبب "تشونيون" في مدن في جميع أنحاء الصين، ولكن نظرا للحجم الكبير والنشاط المحموم لبكين، فإن الأمر يبدو أكثر وضوحا هناك. فلا يعود جزء كبير من سكانها إلى مساقط رؤوسهم فحسب، بل يسافر العديد من المقيمين الأجانب فيها إلى ديارهم أو أماكن أخرى لقضاء العطلة. إذا صادف وكنت تقيم في بكين خلال عطلة عيد الربيع، فمن الأفضل تخزين مواد البقالة والإمدادات الأخرى مقدّما لأن معظم الأماكن ستُغلق. قد تبقى بعض المطاعم وسلاسل المتاجر الكبرى المملوكة للأجانب مفتوحة ولكن من الأحسن أن تكون مستعدا. وخلال الشهر، كدتُ أميل الى تحمل أعراض الانقطاع القاسي لـ"مالاتانغ" (طعام حار وساخن من سيتشوان).

 

في نهاية المطاف، يُعد عيد الربيع في بكين هو الوقت المفضل لدي في السنة، ربما أفضل من الخريف في بكين، وقد يكون هذا رأيا لا يحظى بشعبية. إنه حقا شيء مختلف، حيث يبدو كل شيء أكثر إشراقا، والجميع أكثر سعادة وحلما الى حد ما. يتم تنظيم أسواق المعابد، مع صفوف من المتاجر وأكشاك الطعام، في بعض المواقع السياحية الأكثر روعة في المدينة مثل القصر الصيفي ومتنزه ديتان. ومن بين الأنشطة المفضلة لدي بمناسبة عيد الربيع الذهاب إلى مخبز داوشيانغتسون التقليدي لشراء الحلويات. عندما ذهبت إليه أول مرة، وقفت في صفّ من الصفوف التي لا نهاية لها، وشعرت بتوتر بشأن ما يجب أن أشتريه بالضبط - بدا أن هناك خيارات كثيرة للغاية! كان هناك شابّ صيني في الصفّ المجاور لي يتكلم الإنجليزية. تحدثنا وأشار إلى كل نوع من الحلوى ووصفها لي. وعندما وصل دوري للاختيار، كنتُ قد عرفتُ بالضبط ما أريده. قال لي: "إن صناديق الهدايا مصممة لتكون معبأة بإحكام. إذا كان هناك أي مجال متبق بين الحلويات، فيشتري الناس حلويات أصغر لملئه. إن فكرة أن تكون الصناديق ممتلئة ترمز إلى الازدهار".

 

في هذا العام قبيل عيد الربيع الثالث لي في الصين، اشتريتُ مرة أخرى من المخبز حلويات خاصة على شكل خنزير. وكمصدر إلهام، كانت لذيذة للغاية مثلما آمل أن تكون السنة القادمة كذلك.