| اشترك في المجلة |



قبل سنوات قليلة، لم تكن نانتشانغ سوى محافظة عادية .. متخلفة تختفي بمنطقة جبلية في مقاطعة هونان. وفي هذه الأيام، هي مقصد شهير لعروض فنية شعبية الفية. وتضم رقصة شامان الي يعتقد أنها شكل من الاتصال مع الآلهة.. موسيقى جوتشانغ التي تستخدم للصلاة طلبا للبركة في الافراح أو الجنازات.. رقصة الطوالات لتدونغ قونغ التي تبرز أشياء هزلية وخداعية.. طبل وصنج المزارع وهذا تتميز بعروض فكاهية. هذه الفنون الشعبية التي ظهرت في خضم الصراع بين الإنسان والطبيعة وتدمج الخيال الجرئ والرومانسية الرقيقة، وحافظت على حيوية صادقة عبر ثلاثة آلاف عام في القرى التي تحتضنها جبال جينغشان.
رقصة شامان
في العادة.. تبدأ رقصة شامان بقرع الصنوج، والمشاهدون من القرى المجاورة، يظهر شاماني عجوز في سبعينات عمره، يعتمر تاجا بوذيا خماسيا ويرتدي جلبابا أصفر وفي قدميه حذاء من قماش، يبدأ في الرقص مع مصاحبة الغناء من نظرائه الأربعة. الحركات المختلفة للممثلين الشامانيين.. يتحرك في حلقة دائرية وفي يده مروحة وطبل .. ينحني أمام علم مطرز بالرموز الثمانية.. يرقص ملوحا بفأس أو سيف. وبرغم الخطوات المعقدة، تبقى خطوته ايقاعية. وفي ذروة الحفل، تتردد الأغاني الرنانة في الجو.
في منزل متهدم بقرية شوجيابينغ لمحافظة نانتشانغ في بلدة شوبينغ، تقدم فرقة تشين رقصة شامانية كهذه. صورة الشامان ومختلف الآلات الطقوسية موضوعة في وسط المسرح، والخلفية تحمل طواطم التنين والعنقاء وأيضا الشموس والأقمار والنجوم والنيران. ليس سهلا على قرية أن تزورها فرقة شامانية شهيرة لتقديم رقصات. اضافة الى رسوم كبيرة، ينبغي ان تبرهن القرية ان ضيوفها "نبلاء وفضلاء".
عندما يقدم الممثلون رقصات على المسرح، تأخذ عجوز حاملة طفلا بين ذراعيها طريقها بين الجمهور، تحاول أن تلقي نظرة عن قرب. ربما هي تعتقد أن حظا جيدا من الطقوس يكون من نصيبها ولحفيدتها. ولكن بعض الطفلات الصغيرة يصيبهن الخوف بسبب جو الرقص الغريب والمظلم، ويفضلن الهروب.
رقصة شامان جاءت في الأصل من رقصة البلاط الملكي لمملكة تشو العائدة لأكثر من ألفي عام لعهد الممالك المتحاربة (475 – 221 ق.م). وفي أعقاب انهيار تشو، اكتسبت الرقصة اسلوبها، مكتسبة التقاليد الزراعية للمزارعين العاديين لتصبح فنا شعبيا ذائع الصيت. الناس يقدمون رقصة شامان احتفالا بالحصاد والصلاة طلبا للحظ وعبادة الآلهة أو لاطلاق سراح أرواح الموتى. ويشارك في الحفل أنواع متعددة من الآلات الطقوسية مثل hierograms وورق البخور والعصي المقدسة وأقنعة الأشباح وايضا أعلام تستخدم لاستحضار أرواح الأموات. يعتقد البعض أن الممثلين يستخدمون هذه الآلات للاتصال بالعالم السفلى. رقصة شامان قد تبدو غريبة فعلا والى حد كبير، وقد اعتبرت ذات يوم انها بدعة من قبل كثير من المراقبين في العصر الحديث.
قال تشين دا وو ( 37 سنة) الرئيس الحالي لفرقة تشين:" كان جدي تشين ينغ كاي شامانيا قديما في بلدة شوبينغ. في الماضي، اضطر لحرق العديد من النصوص كي لا يتهم انه يروج للخرافات ." أما اليوم فقد تغير هذا الوضع. القرى المحلية كثيرا ما تدعو فرقة تشين لتقديم حفلات في مناسبات هامة. علاوة على ذلك، قام علماء الفولكلور وبكل الدقة بجمع وتنظيم نصوص تصميمات رقصات تقوم على أساس عروضهم الفنية.. تتكون من اكثر من مائتي الف كلمة. وتلقى رقصة شامان اليوم حماية كونها من التراث الثقافي غير المادي الصيني.
موسيقى جوتشانغ
في أعماق جبال جينغشان، ليو قون تشانغ – رئيس فرقة جوتشانغ الموسيقية لقرية ليوجيا شان – معه حقيبة تضم عشرات الآلات الموسيقية جاءت من العصور القديمة. وتضم عروض جوتشانغ الموسيقية وبشكل رئيسي آلات نفخية ونقرية بما في ذلك الترمبون ( آلة موسيقية كالبوق) والسونا (آلة نفخية خشبية) والطبول والصنوج النحاسية والأقراص النحاسية. هذه الأدوات عادة ما تبعث موسيقى مفرحة واحتفالية. ولكن اسلوب جوتشانغ مختلف قليلا، حاملا معه احساسا يتوجس شرا. قال ليو:" جميع هذه الآلات جاءتنا من اسلافنا." وأضاف:" كل واحدة فريدة من نوعها ولا أحد يعرف كيف يصنعها اليوم. حاول بعض الناس اعادة انتاجها لكن المستنسخات ليست جيدة كالأصلية."
وقال ليو مفتخرا:" في كل مهرجانات المعبد خلال عيد الربيع تلتقي جميع فرق جوتشانغ الموسيقية في فانتشنغ لتتنافس مع بعضها بعضا، وفرقتنا دائما تحظى بأكبر جمهور." مهارات الفنان يجري اختبارها عن طريق القدرة على نفخ البوق. حين تنتفخ الوجنتان، نافخ البوق يتنفس دوريا من خلال أنفه مما يتيح له أن يواصل النفخ لساعات.. ويبرز في العروض المزدوج من نافخي البوق الذين ينفخون وهم مسيطرون على صمامات نظرائهم. وربما كان أهم ما يشوق في الحفل هو رمي الصنوج. فنانان يقذفان الصنوج عاليا في الهواء ثم يلتقطونها قبل أن تهوى الى الأرض. وهم لا يقذفون الصنوج كيفما اتفق وانما مع ايقاع الأبواق، وتحدث الصنوج وهي في الهواء صفيرا موسيقيا.
اللوحة على جدار منزل ليو تحمل كلمات :"نموذج مزرعة التبغ"، وتشير الى ان العائلة كانت تعيش يوما من زراعة التبغ. وأن الايرادات من عروض موسيقى جوتشانغ هي مجرد دخل اضافي. في العام 1990، توجه ليو الى مركز محافظة نانتشانغ حيث شرع وزوجته في تجارة الأحذية. والى الآن.. فتحا ثلاثة متاجر. وهما يقدران على توفير احتياجات العائلة. وفي اوقات الفراغ، غالبا ما يعود ليو الى قريته لتقديم موسيقى جوتشانغ.
ونظرا للتحديث السريع بالصين، فان موسيقى جوتشانغ القديمة التي مضى عليها قرابة ثلاثة آلاف عام، هي اليوم على شفا الهاوية. قال ليو متنهدا وهو يشير الى ليو تشن شان (18 سنة) بالقرب منه:" اثنان من اخوتي يقدران على تقديم هذا الفن الشعبي مثلي، ولكن في الجيل التالي واحد فقط يعرف كيف ينفخ البوق."
وواصل ليو قائلا :" في السابق، لم أعرف كم هي نفيسة موسيقى جوتشانغ. في السنوات الماضية، جاءني كثير من الباحثين لمعرفة هذا الفن التقليدي. فقررت أن اقدم هذا الفن مرة أخرى." في العامين السابقين، كرس ليو نفسه لترقية هذا الأسلوب العريق طالبا المساعدة من مشاهير الأساتذة لإعداد تقرير عن موسيقى جوتشانغ .. ولأهذب الى مختلف المدن، داعيا مختلف الفنانين الشعبيين لتصوير وتسجيل موسيقى فرقته. ويخطط أيضا لإنشاء موقع عنكبوتي لتسجيل طلبة جدد. وهدفه الأسمى ان يساعد في طلب الفن الشعبي للحصول على مكانة في "التراث الثقافي غير المادي". لقد عزم ليو على تكريس باقي حياته لنشر موسيقى جوتشانغ.
بالاضافة الى رقصة شامان وموسيقى جوتشانغ، في نانتشانغ العديد من الغرائب الثقافية الأخرى بما في ذلك رقصة النبيذ المقطر من الأعشاب، ورقبصة الطوالات لدونغ قونغ وفوانيس سمك تشانغخه واغنية المزارع مانخه وصنج وطبل المزارع. وعبر آلاف السنين، أثرت هذه الأشكال من الفنون الشعبية احساسا بوحدة الأهالي المحليين.