اشترك في المجلة
المنشورات الأخرى لأسرة الصين المصورة
  • مقالات خاصة
الاقتصاد الروسي: ما جوهر مشكلته؟
بقلم: شيوي بوه لينغ

 

إذا ذكرت روسيا، تبادر الى أذهان الكثيرين "الرجل القوي بوتين" و"الدب القطبي" و"القوى العسكرية العظمى" وغيرها من السمات السياسية أو الثقافية. وقليلون هم الذين يعرفون كثيرا عن الاقتصاد الروسي. وصف السناتور الأمريكي جون ماكين روسيا بـ"محطة وقود تتنكر في زي بلد". هل هو على حق؟

 

 

المشاكل الهيكلية للاقتصاد الروسي

شهدت روسيا استعادة النمو الاقتصادي في عام 2000 بفضل المساهمة الكبيرة من قبل قطاع الطاقة بعد أن مرت بالركود الاقتصادي خلال تسعينات القرن العشرين. منذ سنوات عديدة، قد استحوذ قطاع الطاقة على ثلث الناتج المحلي الإجمالي السنوي في البلاد وثلثي الصادرات السنوية. وجاء ما يقرب من نصف العائدات المالية الروسية من الضرائب على استغلال الطاقة وتصديرها. وقد اعتاد الاقتصاد الروسي لفترات طويلة الاعتماد على قطاع الطاقة ولن يتخلص من هذا الاعتماد في المستقبل القريب.

ليس هذا فقط، فإن الاقتصاد الروسي يواجه مشاكل هيكلية أخرى. وعلى الرغم من أن واردات روسيا شكلت 15 – 20 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي في العقد الماضي، وهذا الرقم متواضع نسبيا مقارنة مع بعض الاقتصادات الأخرى، إلا أن المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية اليومية والمعدات الصناعية الهامة في البلاد تعتمد اعتمادا كبيرا على الواردات. هذا ما يعني أن روسيا ليس لديها قدرة على إنتاج السلع الاستهلاكية والمعدات الصناعية ذات القوة التنافسية ولا يزال اقتصادها متخلفا في التحديث مع أنها قادرة على إنتاج منتجات عسكرية على المستوى العالمي الأول.

نقص الاستثمار هو حاجز كبير يعوق روسيا عن حل المشاكل الاقتصادية الهيكلية. لقد حافظ الاستهلاك النهائي على ما يفوق 70% من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد منذ عام 2000، بينما الاستثمار في الأصول الثابتة ظل يتردد عند 18 – 20 في المئة، أي ما يكفي فقط للحفاظ على تكرار الإنتاج البسيط. وما يزيد في الطين بلة أن هذا الاستثمار بدأ في الانخفاض منذ عام 2014. فلا نعدو الصواب إذا قلنا إن نقص الاستثمار والاعتماد المفرط على دخل الطاقة لدى الاستهلاك الاجتماعي هما من الأسباب الجذرية للانكماش الاقتصادي في روسيا منذ عام 2013.

 

الشعب يستفيد من النمو الاقتصادي

في عام 2013، تجاوز معدل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في روسيا 13,000 دولار أمريكي حسب سعر الصرف في ذلك الوقت، مما جعل روسيا دولة ذات دخل مرتفع. وبعد العقوبات الاقتصادية وتراجع أسعار النفط الخام وانخفاض قيمة عملة الروبل، هبط معدل نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي الروسي الى 6285 دولارا أمريكيا في عام 2015، مما جعل البلاد تندرج في صفوف الدول ذات الدخل المتوسط. لكن بالنسبة للسكان الروس الذين يكسبون وينفقون الروبل ويعيشون داخل البلاد، فالناتج المحلي الإجمالي المحسوب بالدولار لا يعني شيئا مهما بالضرورة.

الأكثر إثارة لاهتمام الروس العاديين هو التقلبات الاقتصادية، والعمالة، والتضخم المالي والدخل الحقيقي. من عام 2008 الى عام 2016، زاد الراتب الشهري الإسمي للفرد الروسي بـ2.06 مرة، بينما ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بـ1.09 مرة، هذا ما يبين أن مستوى معيشة السكان الروس قد ارتفع. وخلال نفس الفترة، تأرجحت نسبة البطالة في البلاد بين 5.7 و6.2 في المئة، ما عدا العام 2009 الذي بلغت فيه 8.2 في المئة عند ذروتها. ورغم أن معدل البطالة في روسيا عموما أعلى من الولايات المتحدة، ولكنه أقل من الاتحاد الأوروبي. ومن هذا المنظور، فيمكن القول إن الظروف الاقتصادية في روسيا ليست رديئة.

لقد أصبح استيراد المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية الأخرى أكثر تكلفة بعد انخفاض أسعار النفط وتراجع قيمة الروبل في عام 2014، الأمر الذي أضعف بالفعل مستوى معيشة السكان الروس. ومع ذلك، لم تتأثر اللوازم المعيشية الأساسية للغالبية العظمى من الروس حيث تبقى أسعار المواد الغذائية الشائعة كالخبز والحليب والسجق مستقرة.

علاوة على ذلك، حققت روسيا مكاسب مثيرة للإعجاب في حصاد الحبوب منذ عام 2013، بحيث بقيت مخازنها مليئة بالغلال حتى مع ازدياد صادراتها من الحبوب في السنوات الأخيرة. ولكن هناك حاجة ماسة لديها لتحديث الصناعات الغذائية والتحويلية لمواصلة تحسين الظروف المعيشية للشعب الروسي. ومنذ عام 2015، جاءت الصناعات الغذائية باعتبارها نقاطا لامعة في الاقتصاد الروسي بأكلمه.

ما يمكن تأكيده أن معظم الروس لا يقلقون على حياتهم لأن النفقات الاجتماعية لا تزال تشكل جزءا كبيرا من ميزانية الحكومة الروسية. كانت النفقات الروسية في عام 2015 تمثل 19.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من ربعها تستخدم في التعليم والتأمين الصحي والتأمين ضد البطالة وضمان التقاعد. فقد أوفى بوتين بوعده لتحسين مستوى معيشة الشعب الروسي من خلال التنمية الاقتصادية.

 

 السبيل الى الأمام

تباطأ النمو الاقتصادي الروسي في عام 2013، وتورط في الركود عام 2014، وانخفض بنسبة 3.7 في المئة عام 2015. ومن المرجح أن يستأنف الاقتصاد الروسي نموه في عام 2017. ركزت الكثير من وسائل الإعلام على المشاكل الاقتصادية الروسية مثل الهبوط المستمر لسعر صرف الروبل، والانخفاض المتواصل لأسعار النفط، واستنزاف احتياطيات النقد الأجنبي لها والخ. لكن هذه المشاكل في الواقع ليست الأكثر أهمية في البلاد. فمع نظام تعويم سعر الصرف يمكن لروسيا تحقيق توازن المدفوعات الدولية. وقد يشهد اقتصادها نموا سريعا إذا تم لها حل عنق الزجاجة الذي يقيد الاستثمار.

لعل أكبر مشكلة للاقتصاد الروسي الآن هي الضغط المالي على حكومة بوتين. من ناحية، يضع تقلص عائدات النفط قيودا على نمو الايرادات في روسيا، ومن ناحية أخرى، لا يمكن تخفيض مصروفاتها الاجتماعية. علاوة على ذلك، لا يزال الأمن القومي على رأس الأولويات في روسيا، وتتطلع البلاد الى تعزيز التحديث والابتكار في الاقتصاد من خلال الصناعة الحربية، لذلك لا يمكن خفض ميزانية الدفاع هي الأخرى. وبالتالي، فإن معالجة الضغوط على المالية العامة تحدد اتجاه الوضع السياسي والاقتصادي الروسي على المدى القصير.

أما بالنسبة لاتجاه الاقتصاد على المدى الطويل، فيحدده الهيكل الاقتصادي الروسي. بعد أن أدركت الحكومة الروسية الآثار السلبية للاعتماد المفرط على قطاع الطاقة، أخذت وضع بدائل الاستيراد وإصلاحات هيكلية في استراتيجية التنمية الوطنية على المدى الطويل في عام 2014. فقد رسمت روسيا خطة لمكافحة الأزمة تضم العديد من السياسات لمعالجة المشاكل الاقتصادية مما حقن حيوية في الصناعات الوطنية في البلاد. ومع ذلك، من المحتمل أن يؤدي انتعاش أسعار النفط وارتفاع قيمة الروبل الى توقف الإصلاح الهيكلي. ويعد ذلك اختبارا لقوة ثبات السياسات وقدرة التنفيذ لدى الحكومة الروسية.

 

 

(المؤلف هو نائب مدير اللجنة العلمية لمركز بحوث اقتصاديات وسياسات البلدان الانتقالية في جامعة لياونينغ)

 

 

 

Copyright by China Pictorial © 2000-2014 ALL RIGHTS RESERVED
Reproduction in whole or in part without permission is prohibited.


Add:33 Chegongzhuang Xilu, Haidian District, Beijing 100048, China
Questions, Comments, or Suggestions? Please send to:
cnpictorial@gmail.com